التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٤ - الموسيقى الباطنة للقرآن
بأن توقفه مذهولا من جديد بعد قرابة ألف و أربعمائة سنة من نزول هذه الآيات و كأنها تنزل عليه لساعتها و توّها.
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل و امرأة باسلوب رفيع و بكلمة رقيقة مهذّبة فريدة، لا تجد لها مثيلا و لا بديلا في أية لغة:
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً[١] هذه الكلمة «تغشّاها» تغشاها رجلها.
أن يمتزج الذكر و الانثى كما يمتزج ظلّان و كما يغشى الليل و النهار و كما تذوب الألوان بعضها في بعض، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير.
و ألفاظ اخرى تقرأها في القرآن فتترك في السمع رنينا و أصداء و صورا حينما يقسم اللّه بالليل و النهار فيقول:
وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ[٢].
«عسعس» هذه الحروف الأربعة هي الليل مصوّرا بكل ما فيه. وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. إنّ ضوء الفجر هنا مرئيّ و مسموع. إنك تكاد تسمع زقزقة العصفور و صيحة الديك.
فإذا كانت الآيات نذير الغضب و إعلان العقاب فإنك تسمع الألفاظ تتفجّر، و ترى المعمار القرآني كله له جلجلة.
اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد: وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ[٣]
[١] الأعراف: ١٨٩.
[٢] التكوير: ١٧ و ١٨.
[٣] الحاقّة: ٦ و ٧.