التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٨ - ٧ - حسن تشبيهه و جمال تصويره
حتى يحيله إلى غير حاله الأوّلي.
و أحسن من هذا أن يقال: إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، و تعذّر تلافيه، و في عظم الألم في القلب به، و أنّه لم يبق بعده إلّا الخمود! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبّه و المشبّه به، و ذلك في الغاية القصوى من التناسب و التلاؤم[١].
و قيل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أفخم و أروع منه، و من هنا غلط بعض الكتّاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبّها له، فقال: «هامة، عليها من الغمامة عمامة، و أنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة» قال ابن الأثير، و هذا الكاتب حفظ شيئا و غابت عنه أشياء!! فإنّه أخطأ في قوله «أنملة» و أيّ مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟
و أصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة و القلامة، و تشبيهها بالهلال.
فإن قيل: إنّ هذا الكاتب تأسّى فيما ذكر بكلام اللّه تعالى حيث قال:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ[٢]، فمثّل نوره بطاقة فيها ذبالة[٣].
و قال اللّه تعالى: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ[٤] فمثّل الهلال بأصل عذق النخلة.
فالجواب عن ذلك أني أقول: أمّا تمثيل نور اللّه تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإنّ هذا مثال ضربه للنبي (صلّى اللّه عليه و آله). و يدلّ عليه أنّه
قال: «يوقد
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ١٣٣- ١٣٥.
[٢] النور: ٣٥.
[٣] الطاقة: سقيفة لها طوق هلالي. و الذبالة: الفتيلة.
[٤] يس: ٣٩.