التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٣ - ٧ - حسن تشبيهه و جمال تصويره
٧- حسن تشبيهه و جمال تصويره
التشبيه تصوير فنّي يرسم المعنى في الخيال متجسّدا في قالب المثال، خالعا عليه ثوب الجمال. و يزداد بهاء كلما كان أوفى بتحقيق الغرض المقصود من الكلام. و ما أن دقّ و لطف في التعبير و الإيفاء إلّا ازداد حسنا و كمالا. و هكذا ذهب القرآن في تشبيهاته مذهب الإيفاء و حسن الأداء، الأمر الذي زلّت فيه أقدام كبار الأدباء كلما حاولوا الإكثار منه عاثوا و ماثوا و تعسّرت عليهم الإجادة و حسن الإفادة، عكس القرآن، فقد أكثر منه، و احكم صلبه، و خاض عبابه و استخرج لبابه، فأفاد و أجاد، و أبدع و أعجب، و أحار ذوي الألباب.
قال ابن الأثير: التشبيه يجمع صفات ثلاثا: المبالغة، و البيان، و الايجاز أمّا المبالغة فلأنّه يجعل ما ليس بالقويّ بمثابة القويّ. و أمّا فضيلة البيان فلأنّ الغرض المقصود من قولنا «زيد أسد» أن يتبيّن حال زيد في اتّصافه بشهامة النفس، و قوة البطش، و جرأة الإقدام، و غير ذلك مما يجري مجراه. إلّا أنّا لم نجد شيئا ندلّ به عليه سوى أن جعلناه شبيها بالأسد حيث كانت هذه الصفات مختصّة به، فصار ما قصدناه من هذا القول أكشف و أبين من أن نقول: زيد شهم، شجاع، قويّ البطش، جريء الجنان، و أشباه ذلك، لما قد عرف و عهد من اجتماع هذه الصفات في المشبّه به. فقد أدّى التشبيه كلّ هذه المعاني