التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - ٣ - عذوبة ألفاظه و سلاسة عباراته
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ[١] فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، و قد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف و من نظم حركاتها، فإنّها بذلك صارت في النطق كأنّها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع.
و قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ[٢] فإنها كلمة من تسعة أحرف. و هي ثلاثة مقاطع. و قد تكرّرت فيها الياء و الكاف، و توسط بين الكافين هذا المدّ (في) الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلها.
و اللفظة اذا كانت خماسية الاصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء، لأنّه ممّا لا وجه للعذوبة فيه، إلّا ما كان من اسم عرّب و لم يكن عربيا: كإبراهيم، و إسماعيل و طالوت، و جالوت، و نحوها. و لا يجيء به مع ذلك إلّا أن يتخلّله المدّ كما ترى، فتخرج الكلمة و كأنها كلمتان.
و في القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، و ما حسنت في كلام قطّ إلّا في موقعها من القرآن بالذات، و هي كلمة «ضيزى» من قوله تعالى: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى[٣]. و مع ذلك فإنّ حسنها في نظم الكلام هنا من أغرب الحسن و أعجبه، و أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها.
فإنّ السورة التي هي منها- و هي سورة النجم- مفصّلة كلها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل. ثم هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام و زعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة و الأصنام بنات للّه مع و أدهم البنات[٤] فقال تعالى: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة
[١] النور: ٥٥.
[٢] البقرة: ١٣٧.
[٣] النجم: ٢٢. و الضيز: الجور، أي فهي قسمة جائرة.
[٤] أي دفنهنّ على الحياة كما كان من عادتهم.