التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩١ - النظر الثاني
الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات، فيقال: هبّت الريح، و مطرت السحابة، و استوت السفينة على الماء، قال تعالى وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ فأضاف الجري إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء اليها.
و إنما اختير (بعدا) و لم يقل: ليبعدوا لأمرين: أمّا أوّلا فلأنّ في المصدر نوع تأكيد لا يؤدّيه الفعل لو نطق به. و أمّا ثانيا فلأنه لو وجّهه بالفعل كان مقيّدا بالزمان، و هو إذا كان موجّها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل.
و إنما عرّف (القوم) باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم.
و إنّما أتى بلام الجر و لم يقل: فبعدا من القوم، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون (من) فانها غير مؤدّية لهذا المعنى.
و إنما أطلق صفة الظلم، و لم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه، و فيه تنبيه على فظاعة شأنهم و سوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم من تكذيب الرسل، و فيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذّبه، و التأسّي بالصبر، و وعيد لمن كذّبه بالنصفة و الانتقام منه.
النظر الثاني:
في تأليف الجمل و ذكر بعضها عقيب بعض. تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة و سرّ، و إنّما قدّم النداء على الأمر فقال: «يا أرض ابلعي ... و يا سماء أقلعي» و لم يقل عكس ذلك: ابلعي يا أرض و أقلعي يا سماء، لأمرين، أمّا أوّلا فلما في ذلك من الملاطفة و المبالغة في تحصيل المراد، لأنّ كلّ من ناديته فإنّ نفسه تنزع و له توقان إلى الإجابة و تطلّع إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهي، فلا تزال النفس تنزع لتعلم ما هو المطلوب، فمن أجل ذلك قدّم