التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٠ - أعجب آية باهرة
٢- و أمّا النظر فيها من حيث (علم المعاني) و هو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم و تأخير فيما بين جملها- فذلك أنه اختير «يا» دون سائر أخواتها، لكونها أكثر في الاستعمال و أنها دالّة على بعد المنادى، الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة و إبداء شأن العزّة و الجبروت، و هو تبعيد المنادى، المؤذن بالتهاون به، و لم يقل «يا أرض» بالكسر، لإمداد التهاون. و لم يقل «يا أيتها الأرض» لقصد الاختصار، مع الاحتراز عمّا في «أيّتها» من تكلّف التنبيه غير المناسب بالمقام.
و اختير لفظ «الأرض» دون سائر أسمائها، لكونه أخفّ و أدور و اختير لفظ «السماء» لمثل ما تقدّم في الأرض، مع قصد المطابقة.
و اختير لفظ «ابلعي» على «ابتلعي» لكونه أخصر، و لمجيء حظّ التجانس بينه و بين «أقلعي» أوفر.
و قيل «ماءك» بالإفراد دون الجمع، لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبى عنها مقام إظهار الكبرياء و الجبروت، و هو الوجه في إفراد «الأرض و السماء».
و إنما لم يقل «ابلعي» بدون المفعول، أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد، من تعميم الابتلاع للجبال و التلال و البحار و ساكنات الماء بأسرهنّ، نظرا الى مقام ورود الأمر، الذي هو مقام عظمة و كبرياء.
ثم إذ بين المراد، اختصر الكلام مع «أقلعي» احترازا عن الحشو المستغنى عنه، و هو الوجه في أن لم يقل «قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت، و يا سماء أقلعي فأقلعت».
و اختير «غيض» على «غيّض» المشدّد، لكونه أخصر.
و قيل «الماء» دون أن يقال «ماء طوفان السماء». و كذا «الأمر» دون أن يقال «أمر نوح» و هو إنجاز ما كان اللّه وعد نوحا من إهلاك قومه، لقصد