التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧٤ - النوع الثاني الإطناب
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[١] التقدير فيه: أعرضوا عن استماعه و نكصوا عن قبوله، و يدلّ عليه ما بعده.
و من أراد الاطّلاع على حقيقة البلاغة من الإيجاز بالحذف فعليه بتلاوة سورة يوسف، فإنه يجد هناك ما فيه شفاء لكل علّة، و بلال لكل غلّة.
النوع الثاني: الإطناب
و هو تأدية المقصود من الكلام بأكثر من عبارة متعارف عليها.
ثم إنه يأتي على أوجه ثلاثة:
(أولها) أن يكون مجيئه على جهة التفصيل، و مثاله قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ[٢] فهذا و ما شاكله فيه تفصيل بالغ و تعديد لمن يجب الإيمان به من الأنبياء، و ما اوتوا من الكتب المنزلة على أتمّ وجه و أبلغه، و لو آثر إيجازه لقال: قولوا آمنّا باللّه و بجميع رسله و ما اوتوا، لكنه بسطه على هذا البسط العجيب، لما فيه من وفائه بالإيمان باللّه و برسله و ما اشتمل عليه من ذكر هذه الزوائد المؤكّدة.
و منه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[٣].
فلينظر الناظر، و ليحكّ قريحته بالتأمّل البالغ فيما اشتملت عليه هذه الآية الباهرة من شرح عجائب هذه المخلوقات، و اختلاف أنواع المكوّنات، و ترتيبها
[١] يس: ٤٥.
[٢] آل عمران: ٨٤.
[٣] البقرة: ١٦٤.