التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
لقصة مع صاحب له، ليس من ذوي الجنان، و لكن من ذوي الايمان. و كلاهما «نموذج إنساني» لطائفة من الناس: صاحب الجنّتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، و تبطره النعمة، فينسى القوّة الكبرى، التي تسيطر على أقدار الناس و الحياة، و يحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة و لا الجاه.
و صاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتزّ بإيمانه، الذاكر لربّه، يرى النعمة دليلا على المنعم، موجبة لحمده و ذكره، لا لجحوده و كفره:
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً. وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ[١].
و بهذا ترتسم صورة الجنّتين مكتملة في ازدهار و فخامة. و هذا هو المشهد الأول. فلننظر المشهد الثاني:
فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً.
و يبدو أنه قال قولته هذه و هما في الطريق إلى الجنّتين، أو و هما على الباب، إذ جاء بعده:
وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً. وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً.
فها هو ذا في أوج زهوه و بطره، و تعاليه و ازدهائه. فما ذا ترى يكون أثر هذا كله في نفس صاحبه الفقير، الذي لا جنّة له و لا مال، و لا عصبة له و لا نفر؟
إنّ صاحبه لمؤمن، فما تشعره كل هذه المظاهر بالهوان، و ما تنسيه عزّة ربّه الديّان، و ما تغفله عن واجبه الصحيح، في ردّ صاحبه البطر، إلى جادة الطريق، و لو استدعى ذلك أن يجبهه بالتقريع، و أن يذكّره بمنشئه الصغير من
[١] الكهف: ٣٢- ٣٤.