التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١١ - هل في القرآن لفظة غريبة؟
له، و ليس ذلك معدودا في النوع الأفضل من أنواعه، و إنما المختار منه النمط الأقصد الذي جاء به القرآن، و هو الذي جمع البلاغة و الفخامة إلى العذوبة و السهولة.
قال: و قد يعدّ من ألفاظ الغريب في نعوت الطويل[١] نحو من ستين لفظة أكثرها بشع شنع، كالعشنّق و العشنّط و العنطنط، و الشوقب و الشوذب و السلهب، و القوق و القاق، و الطوط و الطاط ... فاصطلح أهل البلاغة على نبذها و ترك استعمالها في مرسل الكلام، و استعملوا الطويل، و هذا يدلّك على أنّ البلاغة لا تعبأ بالغرابة و لا تعمل بها شيئا[٢] و بعد، فالذي جاء منه في القرآن الشيء الكثير، هو الغريب العذب و الوحش السائغ، الذي أصبح بفضل استعماله ألوفا، و صار من بعد اصطياده خلوبا. دون البعيد الركيك و المتوغّر النفور، الذي لم يأت منه في القرآن شيء ممّا جاء في كلام أمثال ذاك النحوي المتكلّف عيسى بن عمر.
و السبب في ازدحام غرائب الألفاظ و عرائس الكلمات في القرآن هو ارتفاع سبكه عن مستوى العامّة الهابط، و اعتلاء اسلوبه عن متناول الأجلاف المبتذل.
القرآن اختصّ بإحاطته على عوالي الكلمات الفصحى، و غوالي العبارات العليا، لا إعواز في بيانه و لا عجز و لا قصور، الأمر الذي ينبئك عن علم شامل بأوضاع اللغة و كرائم الألفاظ، دليلا على أنه من ربّ العالمين المحيط بكل شيء. هذا أولا.
[١] أي كل ذلك ينعت به الطويل بمختلف أطواره، كالعشنّق يوصف به الطويل الذي ليس بضخم و لا مثقّل. و العشنّط: التّار الظريف الحسن الجسم. و الشوذب: الطويل الحسن الخلق ... و هكذا
[٢] بيان إعجاز القرآن: ص ٣٧.