التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٧ - الاستدراج
و هذا الباب أنا استخرجته من كتاب اللّه تعالى، و هو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، و الكلام فيه و إنّ تضمّن بلاغة، فليس الغرض هاهنا ذكر بلاغته فقط، بل الغرض ذكر ما تضمّنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان و التسليم. و إذا حقّق النظر فيه علم أنّ مدار البلاغة كلّها عليه، لأنّه لا انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة، و لا المعاني اللطيفة الدقيقة، دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها.
و الكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيرا في خلابه، لا قصيرا في خطابه.
فإذا لم يتصرّف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده، و إلّا فليس[١] بكاتب، و لا شبيه له إلّا صاحب الجدل، فكما أنّ ذاك يتصرّف في المغالطات القياسيّة، فكذلك هذا يتصرّف في المغالطات الخطابية.
و قد ذكرت في هذا النوع ما يتعلّم منه سلوك هذه الطريق.
فمن ذلك قوله تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ[٢].
أ لا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام و ألطفه، فإنّه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا فكذبه يعود عليه و لا يتعدّاه، أو يكون صادقا فيصيبكم[٣] بعض الذي يعدكم إن تعرّضتم له.
و في هذا الكلام من حسن الأدب و الإنصاف ما أذكره لك، فأقول: إنّما
[١] سياق المعنى يقتضي حذف كلمة« و إلّا»
[٢] غافر: ٢٨.
[٣] في الأصل« يصبكم».