التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٦ - سطوع براهينه
الكوثر- و هي مجموعة المكرمات- فينبغي له أن يؤدّي شكره الواجب، بالابتهال إلى اللّه و المثول لديه بكل الوجود.
و قوله: وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ[١] قياس استثنائي مركّب من قضيّة شرطية مضمونها: وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً[٢]. و اخرى حملية استثنائية مضمونها: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى[٣].
و قوله: فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ[٤]. الكبرى مطوية، أي و كلّ آفل غير مستحقّ للعبادة.
و قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ[٥] ... هذا أشبه بقياس السبر و التقسيم، لأنّ الأمر يدور بين ثلاثة: إمّا أن يكونوا قد خلقوا من عند أنفسهم ليس لهم خالق، أو يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم، أو ينتهي خلقهم إلى خالق خارج من أنفسهم، و لا رابع لذلك.
أمّا الأول- ليكونوا قد خلقوا لا من شيء، و لا خالق لهم، و أنهم وجدوا لا من علّة و سبب- فهذا ممّا يستحيله العقل، إذ لا معلول بلا علّة و لا موجود بلا موجد. فلا تترجح كفّة الوجود على كفّة العدم، في دائرة الممكنات، لسوى مرجّح خارجي.
و كذا الثاني، لأنه دور مستحيل، و توقّف وجود الشيء على نفسه ممّا يمتنع في بديهة العقل.
[١] الأعراف: ١٧٦.
[٢] الإسراء: ١٩.
[٣] طه: ١٢٤- ١٢٦.
[٤] الأنعام: ٧٦.
[٥] الطور: ٣٥.