التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٧ - تجسيد المعاني الذهنية
و يبيّن أنّ الآلهة الذين يعبدون من دون اللّه، لا يسمعون و لا يجيبون، لأنهم لا يعون و لا يتبيّنون، و أنّ دعاء عبّادهم لهم عبث لا طائل وراءه، فيختار صورة تبيّن هذا المعنى، و تجسّم هذه الحالة:
وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ[١] هكذا ينعق الكفّار بما لا يسمع، و ينادون ما لا يفهم، فلا يصل إليه من أصواتهم إلّا دعاء مبهم و نداء لا يفهم. فهؤلاء الآلهة لا يميزون بين الأصوات و لا يفهمون مراميها. و هذا مثل، و لكنه صورة شاخصة. صورة جماعة يدعون آلهة تصل إليها أصواتهم مبهمة، فلا تفهم ممّا وراءها شيئا، و فيها تتجلّى غفلة الداعين و عبث دعوتهم، بجانب غفلة المدعوّين و استحالة إجابتهم.
و يريد أن يجسّم ضعف هؤلاء الآلهة، أو الأولياء من دون اللّه عامة، و وهن الملجأ الذي يلجأ إليه عبّادهم حين يحتمون بحمايتهم، فيرسم لهذا كله صورة مزدوجة:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[٢].
فهم عناكب ضئيلة واهنة، تأوى من حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيوت العنكبوت أوهن و أضأل، وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ و لكنّهم لا يعلمون حتى هذه البديهة المنظورة، فهم يضيفون إلى الضعف و الوهن الجهل و الغفلة، حتى ليعجزون عن إدراك البديهيّ المنظور.
و يريد أن يبيّن أنّ الذي يشرك باللّه لا منبت له و لا جذور، و لا بقاء له
[١] البقرة: ١٧١.
[٢] العنكبوت: ٤١.