التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - آية القصاص
إنّ حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدّد و الاشتراك و التماثيل في مفهومها، كلّا، فإنّ الذي يقبل ذلك فإنّما هو الكمال الإضافي الناقص، أمّا الكمال التامّ المطلق- الذي هو معنى الإلهية- فإنّ حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة و الاثنينية، لأنّك مهما حقّقت معنى الإلهية حقّقت تقدّما على كل شيء و إنشاء لكل شيء: فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[١] و حقّقت سلطانا على كل شيء و علوّا فوق كل شيء: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[٢]. فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت إذ تجعل كل واحد منهما سابقا و مسبوقا، و منشأ، و منشأ، و مستعليا و مستعلى عليه، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد فيهما، إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقا و لا مستعليا، فأنّى يكون كل منهما آلها، و للإله المثل الأعلى! فكم أفادتنا هذه الكاف من وجوه المعاني كلها كاف شاف، و هذا من دقة الميزان الذي وضع عليه النظم الحكيم في القرآن الكريم[٣].
آية القصاص:
كانت العرب تعرف ما لهذه اللفظة «القصاص» من مفهوم خاص: (قتل من عدا على غيره فقتله بغير حق). و كانت تعرف ما لهذه العقوبة (مقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى) من أثر بالغ في ضمان الحياة العامّة.
لكنها عند ما عمدت إلى وضع قانون يحدّ من جريمة القتل، و يضمن للناس
[١] الأنعام: ١٤، يوسف: ١٠١، إبراهيم: ١٠، فاطر: ١، الزمر: ٤٦، الشورى: ١١.
[٢] الزمر: ٦٣.
[٣] النبأ العظيم: ص ١٣٠.