التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - تجسيم الأعمال و تجسيد المعنويات
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ[١] ... الخ.
و من هذا النوع: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ. تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ[٢].
و لكن الذي نعنيه هنا بالتجسيم ليس هو التشبيه بمحسوس، فهذا كثير معتاد، إنما نعني لونا جديدا هو تجسيم المعنويات و تجسيدها، لا على وجه التشبيه و التمثيل، بل على وجه التصيير و التحويل.
يقول: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً[٣]. وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[٤]. أو وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ[٥] فيجعل كأنّ هذا العمل المعنوي مادّة محسوسة، تحضر (على وجه التجسيم) أو تحضر هي (على وجه التشخيص) أو توجد عند اللّه كأنها وديعة تسلّم هنا فتتسلّم هناك.
و قريب من هذا تجسيم الذنوب كأنها أحمال (تحمل على الظهور زيادة في التجسيم): وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ[٦]. وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى[٧].
و من تجسيم المعنويات أمثال: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى[٨] فالتقوى زاد. أو صبغة اللّه وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً[٩] فدين اللّه صبغة معلمة. أو
[١] البقرة: ٢٦٥.
[٢] إبراهيم: ٢٤- ٢٦.
[٣] آل عمران: ٣٠.
[٤] الكهف: ٤٩.
[٥] البقرة: ١١٠.
[٦] الأنعام: ٣١.
[٧] الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧.
[٨] البقرة: ١٩٧.
[٩] البقرة: ١٣٨.