التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٥ - ألوان من التخييل الحسي
و من هذا القبيل: وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[١] في موضع: لا تطيعوا الشيطان. فإنّ كلمتي: «تتّبعوا»، و «خطوات» تخيّلان حركة خاصّة، هي حركة الشيطان يخطو و الناس وراءه يتبعون خطواته. و هي صورة حين تجسّم هكذا تبدو عجيبة من الآدميين، و بينهم و بين الشيطان الذي يسيرون وراءه، ما أخرج أباهم من الجنّة! و كذلك: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ[٢] باختلاف يسير، هو أنّ الشيطان في هذه المرة هو الذي تبع هذا الضالّ و لازمه ليغويه: فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ.
و من هذا الوادي: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[٣] فحركة الاقتفاء تتهيّأ للذهن، و يتمثّلها الخيال بالجسم و الأقدام، لا بمجرّد الذهن و الجنان.
و لون من ألوان «التخييل» يتمثّل في تلك الحركات السريعة المتتابعة التي عرضنا منها مثالا في الفصل السابق، صورة الذي يشرك باللّه فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ[٤].
و شبيهة بها في سرعتها و تعدّد مناظرها تلك الحركة المتخيّلة في قوله: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ[٥].
و تلك صورة عجيبة، فمن يئس من نصرة اللّه لنبيه، و ضاق صدره، و بلغ حنقه، على هذه الحال مبلغا لا يطيقه، فليحاول أن يغيّر من هذه الحال ما استطاع، ما دام لا يصبر، و لا ينتظر وعد اللّه بالنصر. ليمدد إلى السماء بحبل
[١] البقرة: ١٦٨.
[٢] الأعراف: ١٧٥.
[٣] الإسراء: ٣٦.
[٤] الحج: ٣١.
[٥] الحج: ١٥.