التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - نكت و ظرف
و قوله: قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١].
ففي بادئ النظر كان المتناسب ختم آية البقرة بالقدرة، لأنّها حديث عن الخلق، و ختم آية آل عمران بالعلم، لأنها حديث عن علمه بما في الصدور.
لكن الحديث هناك كان عن الخلق و التدبير لانّه تعالى قال: خَلَقَ لَكُمْ أي في مصالحكم حسب حاجاتكم و تأمين معايشكم، فناسبه الختم بالعلم بشئون الخليقة و الإحاطة بمصالحهم.
أمّا في آية آل عمران فكان السياق سياق وعيد و تحذير، و النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ. فناسبه الختم بالقدرة، و إنّ اللّه على كلّ شيء- و منه جزاء المعتدي- قدير.
و قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً[٢].
فلا تناسب ظاهرا بين تسبيح الأشياء و الختم بالحلم و المغفرة.
لكن السياق كان عرضا مسهبا عن سيئات أعمال كانت تقوم به عرب الجاهلية كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً[٣]. فلغرض تحريضهم على التوبة عنها و الرجوع إلى شريعة اللّه المقدّسة عقبها بالحديث عن تسبيح ما في هذا الكون، فليكونوا كغيرهم من سائر الخلائق. فناسبه الختم بالحلم عمّا فعلوه في حينه، و الغفران عمّا ارتكبوه اذا رجعوا و أنابوا.
نكت و ظرف:
قال الإمام بدر الدين الزركشي: من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في
[١] آل عمران: ٢٩.
[٢] الإسراء: ٤٤.
[٣] الإسراء: ٣٨.