التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - هل في القرآن لفظة غريبة؟
و القرآن لم يستعمل إلّا ما تعارف استعماله عند العرب و تداولوه فيما بينهم، و لكن في طبقة أعلى و أرفع من حدّ الابتذال العامي، فلا استعمل الوحشي الغريب و لا العامي السخيف المرتذل[١]. على حدّ تعبير عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة[٢] قال التفتازاني: و الغرابة كون الكلمة وحشية، غير ظاهرة المعنى، و لا مأنوسة الاستعمال، فمنه ما يحتاج في معرفته إلى أن ينقر و يبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة، كتكأكأتم و افرنقعوا في قول عيسى بن عمر النحوي، هاجت به مرّة و سقط من حماره فوثب إليه قوم يعصرون ابهامه و يؤذّنون في اذنه، فأفلت من أيديهم و قال:
«ما لكم تكأ كأتم عليّ كما تتكأكأون على ذي جنّة، افرنقعوا عني!» فجعل الناس ينظرون إليه و يقول بعضهم لبعض: دعوه فإنّ شيطانه يتكلّم بالهنديّة![٣] قال: و منه ما يحتاج إلى أن يخرّج له وجه بعيد، نحو مسرّج في قول العجّاج:
|
و مقلة و حاجبا مزجّجا |
و فاحما و مرسنا مسرّجا[٤] |
|
[١] كقول العامة: ايش، بمعنى أي شيء. و انفسد بمعنى فسد.
[٢] قال الجرجاني: و ربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ، كما يحكى من قول عبيد اللّه بن زياد لمّا دهش:« افتحوا لي سيفي»! و ذلك أنّ الفتح خلاف الإغلاق، فحقّه أن يتناول شيئا هو في حكم المغلق المسدود، و ليس السيف بمسدود. و أقصى أحواله أن يكون في الغمد بمنزلة الثوب في العكم( كالعدل: نمط تجعل المرأة فيه ذخيرتها. و بمعنى الجوالق) و الدرهم في الكيس و المتاع في الصندوق. و الفتح في هذا الجنس يتعدى أبدا إلى الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له، لا إلى ما فيه. فلا يقال: افتح الثوب( أسرار البلاغة: ص ٣- ٤).
[٣] المطول طبعة اسلامبول: ص ١٨. و راجع الفائق للزمخشري: ج ٢ ص ٢٤١. نسب الجاحظ ذلك إلى أبي علقمة، حدّث به ذلك في بعض طرقات البصرة.
و المعنى: ما لكم اجتمعتم عليّ كما تجتمعون على مجنون، تفرّقوا عنّي.
[٤] المقلة: حدقة العين. و المزجّج كمعظّم: المدقّق المرقّق. و الفاحم: الشعر الأسود. و المرسن كمجلس: موضع الرسن من أنف الناقة، شاع استعماله في مطلق أنف الانسان.