التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - النظر الأول
النظر الأوّل:
في مفرداتها و تقديم بعضها على بعض. إنما اختير لفظ «يا» من بين سائر أحرف النداء من جهة أنها كثيرة الدور في الاستعمال، و أنها موضوعة للدلالة على بعد المنادى، و البعد هنا يجب أن يكون معنويا، لأنّ البعد الحسّيّ على اللّه تعالى محال، من جهة استحالة الجهة على ذاته، و ذلك أنّ المعنويّ يكون من جهات خمس:
أوّلها: أنه تعالى لمّا كان مختصّا بعدم الأوّلية في ذاته سابقا على وجود الممكنات سبقا أوّليا بلا نهاية، و أنّ الأرض من جملة الممكنات التي لها بداية، و لا شكّ أنّ كلّ ما كان لا أوّل له، فهو في غاية البعد عمّا له أوّل.
و ثانيها: من جهة عدم التناهي في ذاته تعالى من كلّ وجه، بخلاف الأرض، فإنها متناهية في ذاتها من كلّ وجه، و ليس يخفى ما بين التناهي و عدم التناهي من البعد العظيم.
و ثالثها: اختصاص ذاته بالعظمة و الكبرياء، و اختصاص الأرض بنقيضها من التسخير و القهر.
و رابعها: اختصاص ذاته بالاستغناء من كل وجه في ذاته و صفاته، بخلاف الأرض، فإنها مفتقرة في ذاتها من كل وجه إلى فاعل و مدبّر، و من كان مستغنيا في ذاته و صفاته فإنه في غاية البعد المعنويّ عمّا يكون مفتقرا في ذاته و صفاته إلى غيره.
و خامسها: أنه نداء من اختصّ بكمال العزّة لمن هو في غاية الذلّة، كما ينادي السيّد عبده.
فلمّا كانت الأرض مختصّة بما ذكرناه من البعد من هذه الأوجه لا جرم كان نداؤها مختصّا ب «يا» من بين صيغ النداء، و إنما قال «يا أرض» و لم يقل