التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٧ - المقصد الثاني في تتميم القول في تحقيق الحق من طريق آخر
مشتملان على صحاح الأخبار، و تعادل الامارات يوجب التساقط كما عرفت في المسألة الاخرى الاصولية، و التمسّك بالبراءة يقرّر الغناء على الإباحة الأصلية، فعليكم أن تحكموا بإباحته مطلقا، فلم حكمتم بتحريمه كذلك؟! و أمّا أن يقولوا: لا ندري في أيّ معنى من معنييه استعمل فيها، فنقول حينئذ: يجب الجمع و التوفيق بين الطرفين لاطراح أحدهما و التمسّك بالآخر كما عرفت، فبم تمسّكتم في طرح الأحاديث الدالّة على الجواز و الاستحباب و صحّحتم الطرف الآخر الدالّ على الحرمة و حكمتم بتحريمه مطلقا؟! و إن قالوا: نتمسّك بمقتضى الاحتياط، نقول: الاحتياط يقتضي أن تكفّوا الناس عن ألسنتكم عند قراءة القرآن و الكلمات الحقّة من الأذان و غيره من الأصوات الحسنة المذكّرة للجنّة و لا تنهوهم عنها لئلّا تكونوا في زمرة الناهين عن المعروف الآمرين بالمنكر حتى يتبيّن لكم الحقّ، فإنّ الاحتياط إنما يكون في حقّ من لا يكون على يقين في أمر يحتاط فيه، و أمّا اذا كان على يقين في حقّه فلا معنى للاحتياط فيه، فلعلّ هذا الذي تنهون عنه يكون معروفا بحسب الواقع، فتكونون ناهين عن المعروف و أنتم لا تشعرون، غاية الأمر أن تتوقّفوا في أمره حتى يتبيّن لكم حقيقته أو بطلانه، فلا تنهوا الناس عنه حتى يظهر لكم حقيقة الأمر فيه. بل نقول: صراحة الأخبار الواردة في الطرفين لا يبقى اشتباها في هذا الأمر، فإن كنتم في شكّ في أمرها فاسألوا أهل الذكر حتى تعلموا ما هو الحقّ و كيف يمكن أن يقبل منكم أنكم محتاطون و أكثركم يمنع التغنّي في الأعراس مع ورود النصّ على شرعيته هناك، و يعاضده العقل أيضا، من جملته حدوث ميل العزاب إلى النكاح المرغب فيه المؤدّي إلى حفظ النوع و النسب و التجنّب عن السفاح و العطب.
و أمّا ما جوّزه بعض الفقهاء فيها فقط فهو تخصيص من غير مخصّص لورود الأحاديث في شرعيته في غيرها أيضا، و لو فرضنا عدم النصّ على شرعيته في