التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٧ - تناسب السور
نراه قد هبط في هذا الاختيار إلى حدّ بعيد، يختار أولا فيما زعم ما قاله البيهقي:
إنّ ترتيب كل السور توقيفي وقع بأمر من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) سوى سورتي الأنفال و براءة، فإنّ ترتيبهما- حسبما زعم- من صنع عثمان بن عفان.
قال: و قد استقرّ التوقيف في العرضة الأخيرة- التي عرض القرآن فيها على رسول اللّه- على القراءات العثمانية!؟
ثم يعتمد ما ذكره بعضهم: أنّ لترتيب وضع السور في المصحف أسرارا دقيقة و أسبابا حكيمة تطّلع على أنه توقيفي صادر من حكيم:
الأوّل: بحسب الحروف المقطّعة في أوائلها، كما في توالي السور الحواميم السبع: (حم المؤمن، حم السجدة، حم الشورى، حم الزخرف، حم الدخان، حم الجاثية، حم الأحقاف). و توالي المبدوّات ب «الر» و هي ستّ سور: «الر يونس، الر هود، الر يوسف، المر الرعد، الر إبراهيم، الر الحجر).
الثاني: لموافقة آخر السورة لأول ما بعدها، كآخر الحمد في المعنى مع أول البقرة.
الثالث: الوزن في اللفظة، كآخر سورة «تبّت» و هي قافية الدال «مسد» مع أول سورة التوحيد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قافية الدال أيضا!! الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الاخرى، كالضحى و الانشراح! قلت: و لعلّ أذهاننا كلّت عن فهم هذه الأسرار التي نقلها عن بعضهم و أعجبته!! و على أيّة حال فإنه يعترض على نفسه باختلاف ما بين مصاحف الأصحاب، كمصحف ابن مسعود مع مصحف أبي بن كعب، و لو كان توقيفا لما وقع بينهما اختلاف، كما لم يقع اختلاف في ترتيب الآيات ضمن السور! ثم يبتهج بما منّ اللّه عليه بالإلهام بجواب نفيس، و هو: أنّ القرآن وقع فيه نسخ كثير حتّى لسور كاملة، فلا عجب أن يكون الترتيب العثماني هو الذي