التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - نماذج من فوارق اللغة
و «علمت» يقتضي مفعولين، كقولك: علمت زيدا عاقلا. و لذلك صارت المعرفة تستعمل خصوصا في توحيد اللّه تعالى و إثبات ذاته، فتقول: عرفت اللّه، و لا تقول: علمت اللّه، إلّا أن تضيف إليه صفة من الصفات فتقول: علمت اللّه عدلا، و علمته قادرا، و نحو ذلك من الصفات. و حقيقة البيان في هذا أنّ العلم ضدّه الجهل، و المعرفة ضدّه النكرة.
و (الحمد و الشكر) قد يشتركان أيضا، الحمد للّه على نعمه أي الشكر للّه عليها. ثم قد يتميّز الشكر عن الحمد في أشياء فيكون الحمد ابتداء بمعنى الثناء و لا يكون الشكر إلّا على الجزاء، تقول: حمدت زيدا، إذا أثنيت عليه في أخلاقه و مذاهبه و إن لم يكن سبق إليك منه معروف. و شكرت زيدا، إذا أردت جزاءه على معروف أسداه إليك. ثمّ قد يكون الشكر قولا كالحمد، و يكون فعلا كقوله عزّ و جلّ: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً[١]. و إذا أردت أن تتبيّن حقيقة الفرق بينهما اعتبرت كل واحد منهما بضدّه، و ذلك أن ضدّ الحمد الذمّ، و ضدّ الشكر الكفران. و قد يكون الحمد على المحبوب و المكروه، و لا يكون الشكر إلّا على المحبوب.
و أمّا (الشحّ و البخل)[٢] فقد زعم بعضهم أنّ البخل منع الحقّ و هو ظلم، و الشحّ ما يجده الشحيح في نفسه من الحزازة عند أداء الحق و إخراجه من يده قال: و لذلك قيل: الشحيح أعذر من الظالم.
[١] سبأ: ١٣.
[٢] قال الراغب: الشحّ بخل مع حرص، و ذلك فيما كان عادة. قال تعالى: وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ النساء: ١٢٨. وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر: ٩ و التغابن: ١٦. أي ينفلت عن رذيلتها بترويض النفس و مكافحة خسائسها.
على أنّ البخل صفة تنبئ عن عمل رذيل و إن كان منشؤه حزازة في النفس. أمّا الشحّ فهو نعت عن صفة نفسية خسيسة لا غير.