التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - البحث الأول
و خطابها من الاستعارة فهو حاصل في خطاب السماء، و إنما اختار لاحتباس المطر اسم الاقلاع الذي هو ترك الفعل من جهة الفاعل، فإنه يقال في حال من استمر من جهته فعل من الأفعال ثم تركه: أقلع عنه، لأنّ إنزال المطر لمّا كان صادرا منها على سبيل الاستمرار ثم رفع كأنها أقلعت عن فعله، و إنما ذكر متعلّق فعل الأرض بقوله «ابلعي ماءك» و لم يذكر متعلّق فعل السماء فلم يقل: و يا سماء أقلعي عن صبّ مائك، من جهة أنّ الأرض لمّا كان لها اعتمال في بلع الماء فلأجل هذا ذكر متعلّق فعلها، بخلاف السماء فإنه لا عمل لها هناك إلّا ترك الصبّ و الكفّ، فلأجل ذلك لم يكن حاجة إلى ذكر متعلّقها، و إنما وجّه أمر الأرض بالفعل المتعدّي و وجّه أمر السماء بالفعل اللازم من جهة تصرّف الأرض في الماء بصيرورته في بطنها بخلاف السماء، فإنّ الغرض بقوله «اقلعي» أي كوني ذات إقلاع، و كفّ عن الصبّ لا غير، و لذا يقال: ابتلعت الخبز، و أقلعت السماء، إذا صارت ذات إقلاع في سحابها.
ثم قال بعد ذلك: وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً فأتى بهذه الجمل الخبرية عقب تلك الأوامر على جهة الإبهام لفاعلها، إعلاما بأنّ مثل هذه الامور العظيمة و الخطوب الهائلة لا تصدر إلّا من ذي قدرة، لا تكتنهه العقول و لا تناله الأفهام، و تعريفا بأنّ الوهم لا يذهب إلى أنّ غيره قائل: يا أرض ابلعي و يا سماء أقلعي، و لا يغيض الماء، و لا يقضى الأمر في هلاكهم، و لا تستوي السفينة على الجودي، و لا يبعدهم عن الرحمة باستحقاق العقوبة إلّا هو، فلا جرم أبهم ذكره من أجل ذلك.
ثم إنه ختم الكلام على جهة التعريض بقوله «و قيل بعدا للقوم الظالمين» تنبيها على أنّ ذلك إنما كان من أجل ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل و إعراضهم عما جاءوا به من الحجج الظاهرة، و الأعلام النيّرة، و أنّ من كان على مثل حالهم فإنّ الهلاك واقع به لا محالة من غيرهم ممّن بعدهم، و فيه وعيد