التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٥ - حد الالتفات و فائدته
و مثّلوا له بقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ[١].
فقوله: وَ لَنْ تَفْعَلُوا استدراك جميل، و تيئيس لطيف، و تبكيت قاطع، فللّه درّه من التفات بديع.
قال قدامة بن جعفر الكاتب[٢]: أراد تعالى أن يضمّن آية التحدّي ضربا آخر من الإعجاز بأخباره عن عجز مطبق عن إمكان معارضته مع الأبد، ليكون جريان هذا الخبر الصادق على لسان نبيّه، حتى إذا وقع كان علما على صدقه، فردّ المكذّبين، و ثبّت المؤمنين، فقال: «و لن تفعلوا» قبل أن يتمّ الكلام الأول.
و كان يمكنه تأخير هذه الجملة ... لكن لهذا التقديم تأثير بليغ في النظم، يجعل له في القلوب من الجلالة و التفخيم و الرونق ما لا يعبّر عنه. و لا يعرف لذلك سبب ظاهر إلّا وقوع تجنيس الازدواج بقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا نظير قوله:
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ[٣]. لكنه في المعنى كان لهذا التقديم سبب أقوى، هي زيادة علم من أعلام النبوّة، كانت مراعاته أولى على الموعظة بقوله:
فَاتَّقُوا النَّارَ[٤] و نظيره قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ[٥].
فقوله: وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ جملة معترضة أفادت تذكيرا بملازمة التقوى التي هي خير لباس الصلاح، ثم يعود الكلام إلى ما قبله.
قال قدامة بن جعفر: لمّا امتنّ سبحانه على البشر بما أنزل عليهم من
[١] البقرة: ٢٤.
[٢] توفي سنة ٣٣٧ كان يضرب به المثل في البلاغة.
[٣] البقرة: ١٩٤.
[٤] بديع القرآن: ص ٤٣.
[٥] الأعراف: ٢٦.