التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩٢ - (النظر الرابع) في ذكر التمثيل
ثمّ إنه قد يتفاوت في الحسن، لأنه يستعمل على وجهين، أحدهما: أن لا يظهر وجه التشبيه في الاستعارة، بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا، فما هذا حاله يعدّ من أحسن الاستعارة.
و هذا كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ[١] و قوله تعالى:
وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ[٢] فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه، فلو أردت التكلّف في إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حدّ البلاغة، و كلّما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا و رونقا، و هذا هو مجراها الواسع المطّرد.
و ثانيهما: أن يكون هناك مشبّه و مشبّه به من غير ذكر أداة التشبيه، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأول في الحسن. و التمثيل في القرآن كقوله تعالى:
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ[٣] فالآية إنما جاءت مسوقة على أنّ حال هؤلاء الكفّار قد بلغوا في الجهل المفرط و العمى المستحكم في الإصرار و الجحود على ما هم عليه من الكفر و العناد، بمنزلة من هو أصمّ أبكم أعمى، فلا يهتدي إلى الحقّ و لا يرعوي عمّا هو عليه من الباطل.
و منه قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً[٤] فحاصل الأمر: أنّ كلّ من انقاد لهواه و أعرض عن حكم عقله في كل أحواله و صار العقل منقادا في حكمة الذّلّ موطوء بقدم الهوى فإنه ينزّل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة، فهو معرض عمّا يأتيه من الحقّ صادف عنه.
و هكذا قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ[٥].
[١] النحل: ١١٢.
[٢] الإسراء: ٢٤.
[٣] البقرة: ١٨.
[٤] الجاثية: ٢٣.
[٥] البقرة: ٧.