التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - الغناء من الوجهة الشرعية
و في حديث ابن أبي عبّاد- و كان مستهترا بالسماع و يشرب النبيذ- سأل الامام الرضا (عليه السّلام) عن السماع؟ فجعله الامام (عليه السّلام) في حيّز الباطل و اللهو ... ثم تلا قوله تعالى: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً[١].
لا شكّ أنّ الجواب ناظر إلى ما كان ابن أبي عبّاد مستهترا به.
و هكذا في سؤال هشام بن إبراهيم العباسي- و كان من رجال الدولة المستهترين بالسماع و الملاهي- عن الغناء:
فقال الامام: إنّ رجلا أتى أبا جعفر (عليه السّلام) فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان إذا ميّز اللّه بين الحقّ و الباطل فاين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. فقال: قد حكمت[٢].
فالقرائن المقامية تدلّنا على إرادة الغناء المعهود ذلك الوقت.
و أمّا حديث الحسن بن هارون[٣]- كان يطيل الجلوس في بيت الخلاء ليستمع إلى غناء المغنّيات في جيرانه- فالحرمة فيه بيّنة، إنها بسبب استماع أصوات الأجنبيات. و لا سيّما تلكم الأصوات الرقيقة المهيّجة لضمائر النفوس.
و قد قال تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ[٤]
و من ثم نهره الامام (عليه السّلام) و وبّخه على صنيعه هذا الذي يشبه الخيانة في أعراض الناس، مذكّرا له قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا[٥]. قال (عليه السّلام)- معقّبا على ذلك-:
السمع و ما وعى، و البصر و ما رأى، و الفؤاد و ما عقد عليه.
[١] الوسائل: ج ١٢ ص ٢٢٩ رقم ١٩، و الآية ٧٢ من سورة الفرقان.
[٢] المصدر: ص ٢٢٧ رقم ١٣، و البحار: ج ٧٦ ص ٢٤٣ رقم ١٤.
[٣] المصدر: ص ٢٣١ رقم ٢٩.
[٤] الأحزاب: ٣٢.
[٥] الإسراء: ٣٦.