التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٧ - فوائد التمثيل
قال السيد رشيد رضا: و هذا النوع من التشبيه- و هو إبراز المعاني في صورة التمثيل- نادر فذّ بديع، و يقلّ في كلام البلغاء، لكنه كثير وافر في القرآن العزيز[١].
و قلّما يوجد في سائر الكلام تشبيه غير معيب. و قد عقد ابن الأثير بابا ذكر فيه معايب التشبيه الواقع في كلام البلغاء، لقصورهم عن الإحاطة بجوانب فنّ التصوير. هذا أبو تمام- الشاعر المفلّق- يريد أن يصف السخاء فيجسّده في صورة ذي حياة، فيجعل له روثا و فرثا ممّا تأباه طبيعة السخاء المترفّع عن الأدناس. قال في قصيدة يمدح بها أبا سعيد كرمه وجوده:
|
و تقاسم الناس السخاء مجزّأ |
و ذهبت أنت برأسه و سنامه |
|
|
و تركت للناس الاهاب و ما بقى |
من فرثه و عروقه و عظامه |
|
قال ابن الأثير: و القبح الفاحش في البيت الثاني، و كل هذا التعسّف في التشبيه البعيد دندنة[٢] حول معنى ليس بطائل، فإنّ غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى و ترك للناس الأدنى. أو أذهبت بالجيّد و تركت للناس الرديّ[٣].
نعم إنّه صوّر من السخاء حيوانا له رأس و سنام. و هذا لا عيب فيه، إنّما العيب في جعل الاهاب و الفرث- و هو السرجين داخل الكرش- له، الأمر الذي تتجافاه سجية السخاء التي هي مكرمة خالصة.
فوائد التمثيل:
و التجسيد الفنّي يسمّى عندهم بالتمثيل، و كان من أروع أنواع التشبيه، ذو
[١] هامش اسرار البلاغة: ص ٩٢.
[٢] الدندنة: طنين الذباب.
[٣] المثل السائر: ج ٢ ص ١٥٤.