التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٧ - ٧ - حسن تشبيهه و جمال تصويره
فإنّه شبّه الليل باللباس، و ذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض، من أراد هربا من عدوّ، أو ثباتا لعدوّ، أو إخفاء ما لا يحبّ الاطّلاع عليه من أمره.
قال: و هذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلّا القرآن الكريم، فإنّ تشبيه الليل باللباس ممّا احتفى به دون غيره من الكلام المنثور و المنظوم.
و كذلك قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ[١] فشبّه المرأة باللباس للرجل، و شبّه الرجل باللباس للمرأة[٢].
و هذا من لطيف التشبيه، كما أنّ اللباس زينة للمرء و ساتر لعورته و حافظ له عن التعرّض للأخطار، كذلك زوج المرء يزيّنه و يستر عوراته و يقيه من مزالق الأدناس. فما أجمل هذا التشبيه و أدقّه من تعبير؟! قال: و من محاسن التشبيه قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ[٣]. و هذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة. و الحرث هو الأرض التي تحرث للزرع، و كذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض.
و من هذا الاسلوب قوله تعالى: وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ[٤] فشبّه تبرّؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ. و ذلك أنّه لمّا كانت هوادي الصبح[٥] عند طلوعه ملتحمة باعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ.
و كان ذلك أولى من أن لو قيل «يخرج» لأنّ السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج، و هذا تشبيه في غاية المناسبة.
و كذلك ورد قوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً[٦] فشبّه انتشار الشيب باشتعال النار. و لمّا كان الشيب يأخذ في الرأس و يسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأول كان بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم و تسري فيه،
[١] البقرة: ١٨٧.
[٢] المثل السائر: ج ٢ ص ١٣٣.
[٣] البقرة: ٢٢٣.
[٤] يس: ٣٧.
[٥] الهوادي: المقادم.
[٦] مريم: ٤.