التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - فواتح السور و خواتيمها
يسمّى باب التخلص و الاقتضاب[١] قال أهل البيان: من البلاغة حسن الابتداء، و يسمّى «براعة المطلع».
و هو أن يتأنق المتكلّم في أول كلامه، و يأتي بأعذب الألفاظ و أجزلها و أرقّها و أسلسها و أحسنها نظما و سبكا، و أصحّها مبنى، و أوضحها معنى، و أخلاها من الحشو، و الركّة و التعقيد، و التقديم و التأخير الملبّس و الذي لا يناسب.
قالوا: و قد أتت جميع فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه و أبلغها و أكملها، كالتحميدات و حروف الهجاء و النداء و غير ذلك[٢].
قال ابن الأثير: و حقيقة هذا الركن البلاغي أن يجعل مطلع الكلام دالّا على المعنى المقصود منه، إن كان فتحا ففتحا، و إن كان هناء فهناء، أو عزّاء فعزاء، و كذلك في سائر المعاني.
قال: و هذا يرجع إلى أدب النفس لا إلى أدب الدرس. و لهذا عيب على كثير من الشعراء و الخطباء، زلّتهم في هذا المقام[٣].
قال: و إنما خصّت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فاذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه.
[١] ذكره ابن الأثير في النوع الثالث و العشرين( ج ٣ ص ١٢١) قال: أمّا التخلّص فهو أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، و جعل الأوّل سببا إليه، فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، من غير أن يقطع كلامه و يستأنف كلاما آخر. بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا. و أمّا الاقتضاب فهو أن يقطع كلامه و يستأنف كلاما آخر، و لا يكون بينهما علاقة في ظاهر الأمر. و هو مذهب من مذاهب العرب فيه طرافة و ظرافة. و سنأتي على كلّ من القسمين في مبحث« حسن الخاتمة» إن شاء اللّه.
[٢] قال ابن معصوم في أنوار الربيع: ج ١ ص ٣٤.
[٣] راجع ما ذكره من معايب الشعراء القدامى و المحدثين في هذا الباب. و كذلك ما أخذه ابن معصوم على مطلع قصيدة امرئ القيس. و قد ذكرنا شطرا منه فيما سبق في حقل المقارنات.