التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٧ - أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا[١] ليخيل إلينا أننا نشهد المنظر هذه اللحظة بكل من فيه و كل ما فيه.
أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[٢] لكنّها أمثال حيّة يشهدها النظّارة و تصيخ أسماعهم إلى أصواتها و ضوضائها، و كأنهم في خضمّ المعركة يجولون بها أو يبصرون بها عن جنب و هم لا يشعرون.
ها نحن اولاء أمام أصحاب الجنّة- جنّة الدنيا لا جنّة الآخرة- و ها هم اولاء يبيّتون في شأنها أمرا. لقد كان للفقراء حظّ من ثمر هذه الجنّة، و لكن الورثة يبخلون بها، إنّهم ليريدون أن يستأثروا بها وحدهم، و أن يحرموا اولئك المساكين حظّهم. فلننظر كيف يصنعون:
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. وَ لا يَسْتَثْنُونَ[٣].
لقد قرّ رأيهم على أن يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين. فلندعهم على قرارهم، و لننظر ما ذا يقع الآن في بهمة الليل، حيث يختفون هم، و يخلو منهم المسرح، فما ذا يرى النظّارة؟ هناك مفاجأة تتمّ خلسة، و حركة خفيفة كحركة الأشباح في الظلام فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ[٤] و هم لا يشعرون.
و الآن ها هم اولاء يتصايحون مبكّرين، و هم لا يدرون ما ذا أصاب جنّتهم
[١] آل عمران: ١٥٢- ١٥٤.
[٢] إبراهيم: ٢٥.
[٣] القلم: ١٧ و ١٨.
[٤] كالمقطوعة الثمار.