التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٠ - وفرة الاستعارة في القرآن
و قال الزمخشري: أي و جعلوا الإيمان مستقرّا و متوطّنا لتمكّنهم منه و استقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك[١].
و هو من تشبيه المعقول بالمحسوس، و قد طوى ذكر المشبّه به، فكانت استعارة بالكناية، و كان ذكر التبوّؤ ترشيحا. و فضل «التبوّؤ» على «الاستقرار» هي إفادة كمال السعي في طلب البيئة، فضلا عن رنّة جرسه في هذا الموضع بالذات.
و احتمل ابن أبي الاصبع كون الآية من الاختصار في الإيجاز، ليكون التقدير: تبوءوا الدار و أخلصوا الإيمان كما قال الشاعر: علفتها تبنا و ماء باردا. أي: و سقيتها ماء[٢].
قال: و الخامس: يرد على وجه المثل المضروب، كقول الفرزدق يهجو جريرا:
|
ما ضرّ تغلب وائل أ هجوتها |
أم بلت حيث تناطح البحران |
|
فإنه شبّه هجاء جرير لبني تغلب ببوله في مجمع البحرين، فكما أنّ البول في مجمع البحرين لا يؤثّر شيئا، فكذلك هجاؤه لهؤلاء القوم. و هذا البيت من الأبيات التي أقرّ لها الناس بالحسن.
قال: و هذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان، و يخلطونه بالاستعارة على ما جاء في قول البحتري في التعزية بولد:
|
تعزّ فإنّ السيف يمضي و إن وهت |
حمائله عنه و خلاه قائمه |
|
زعم أنّ هذا ليس من التشبيه، و أنما هو استعارة، لأنّ المستعار له مطويّ
[١] الكشاف: ج ٤ ص ٥٠٤.
[٢] بديع القرآن: ص ١٨٢.