التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٧ - الوحدة الموضوعية
إجماليا عن مقاصد السورة قبل الورود في التفصيل، ممّا يدلّ على تسلسل طبيعي في كل سورة تنتقل خلاله من غرض إلى غرض حتى تنتهي إلى تمام المقصود، تناسقا معنويا رتبيا، تنبّه له المتأخرون في كل سورة بالذات. و لم يزل العمل مستمرا في البلوغ إلى هذا الهدف البلاغي البديع في جميع السور، لكن يجب التريّث دون التسرّع، و نحن في بداية المرحلة، فلا يكون هناك تكلّف أو تمحّل لا ضرورة إليه.
و قال الاستاذ المدني: إنّ في كل سورة من سور القرآن الكريم روحا تسري في آياتها، و تسيطر على مبادئها و أحكامها و توجيهاتها و اسلوبها. قال: و من الواضح أنّ سور القرآن- مع كون كل واحدة منها ذات طابع خاص، و روح تسرى في نواحيها- لا يمكن أن تعدّ فصولا أو أبوابا مقسّمة منسّقة على نمط التآليف التي يؤلّفها الناس. و من أراد أن يفهمها على ذلك أو أن يفسّرها على ذلك فإنه يكون متكلّفا مشتطّا، محاولا أن يخرج بالقرآن عن اسلوبه الخاص، الذي هو التنقّل و المراوحة و التجوّل، و بثّ العظة في تضاعيف القول، و الوقوف عند العبرة لتجليتها، و التوجّه إلى مغزاها، و انتهاز الفرصة أينما واتت، لدعم العقيدة السليمة و المبادئ القويمة.
إنّ هناك فرقا بين من يحاول أن يفعل ذلك، و من يحاول أن يجعل القارئ يلمح الروح الساري و البيئة المعنوية الخاصّة التي تجول فيها السورة دون أن يخرج التنزيل الحكيم عن سنّته و اسلوبه الذي انفرد به، و كان من أهمّ نواحى الاعجاز فيه.
و هذه الطريقة في الدراسة القرآنية أجدى على الناس من تتبّع الآيات آية بعد آية، فإنّ ذلك لا يعطي المنظر العام، و لا يساعد على تصوّر عظمة الصورة مجتمعة الملامح، منضمّة التقاسيم، كاملة الوضع[١].
[١] محمّد محمّد المدني: المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء: ص ٥- ٧( الأهداف: ص ٧).