التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - ألوان من التخييل الحسي
الكريم، فهو ليس فقط «لا بارد» و لكن كذلك «و لا كريم».
و هذه هي الرياح لواقح: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ[١] بما تحمل من ماء.
و لكن التعبير عنها أكسبها حياة حيوانية، تلقح و تنتج.
و هذا هو الغضب، أو هذا هو الروع، أو هذه هي البشرى، تهيج و تسكن، و توحي و تسكت، و تجيء و تذهب:
وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ[٢].
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ[٣] و لون من ألوان «التخييل» يتمثّل في تلك الصور المتحرّكة التي يعبّر بها عن حالة من الحالات أو معنى من المعاني.
فصورة الذي يعبد اللّه على حرف فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ[٤] و صورة المسلمين قبل أن يسلموا، و هم عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ[٥] و صورة الذي أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ[٦] كلها صور تخيّل للحسّ حركة متوقّعة في كل لحظة، و تتمّ هذه الحركة في الصورة الأخيرة.
و قريب من هذه الصور في التخييل ولوج الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ[٧]، الموعد المضروب لدخول الكافرين الجنّة بعد عمر طويل. فالخيال يظلّ عاكفا على تمثّل هذه الحركة العجيبة، التي لا تتمّ و لا تقف ما تابعها الخيال.
[١] الحجر: ٢٢.
[٢] الأعراف: ١٥٤.
[٣] هود: ٧٤.
[٤] الحج: ١١.
[٥] آل عمران: ١٠٣.
[٦] التوبة: ١٠٩.
[٧] الأعراف: ٤٠.