التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
و فواصل[١]. على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار القلب نصيبه بسواء، فلا يعرو الإنسان على كثرة ترداده ملال أو سأم، بل لا يفتأ يطلب منه المزيد ...
و أحيانا كانت العرب تعمد إلى ما يقرب من هذا النحو من التنظيم الصوتي في أشعارها لكنها كانت تذهب مذهب الإسراف و الاستهواء المملّ في الأغلب، و لا سيما عند التكرير. أما في منثور كلامها، سواء المرسل منه أو المسجوع، فلم تكن عهدته قطّ و لا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة و المرونة و العذوبة التي في القرآن الكريم. بل ربما كان يقع لها في أجود منثورها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه، بما لا يمكن معها من إجادة ترتيله، إلّا بتعمل يبدو عليه اثر التكلّف و التعسّف الامر الذي كان يحطّ من شأن الكلام.
فلا عجب اذا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن- في خيال العرب- أنه شعر، و اذا لم يكن بشعر فهو سحر. و هذا يكشف عن مدى بهر العرب و حيرتهم تجاه هذا النوع من الكلام المنضّد البديع، كان له من النثر جلاله و روعته، و من الشعر جماله و متعته!! قال الاستاذ دراز: و يجد الإنسان لذّة بل و تعتريه نشوة اذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن، خارجة من مخارجها الشحيحة، من نظم تلك الحروف و رصفها و ترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر، و ذاك يصفر، و ثالث يهمس،
[١] من مصطلحات الأفنان الموسيقية:« الحرف المتحرك اذا تلاه حرف ساكن، يقال له: سبب خفيف. و الحرفان المتحركان لا يتلوهما ساكن: سبب ثقيل. و المتحركان يتلوهما ساكن: وتد مجموع و اذا توسّطهما ساكن: وتد مفروق. و ثلاثة أحرف متحركة: فاصلة صغيرة. و أربعة أحرف متحركة يعقبها ساكن: فاصلة كبيرة» و هكذا ...( النبأ العظيم: ص ٩٥).
و لعلّ القارئ النبيه يعذرنا في الاقتصار على النقل هنا، بعد أن كان موضوع البحث من الفنون الخارجة عن اختصاصنا!