التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٠ - إيجاز حذف
قسما الإيجاز
و الايجاز إمّا بظاهر الحذف، في حرف أو كلمة أو جملة ... ممّا يتنبّه له اللبيب من غير كبير كلفة، لدلالة فحوى الكلام عليه. أو غير محذوف الظاهر، سوى أنه من قليل اللفظ كثير المعنى. و يسمّى إيجاز القصر.
قال ابن الأثير: و التنبّه لمواضع القصر فيه عسر جدّا، يحتاج إلى فضل تأمّل و طول تدبّر، لخفاء ما يستدلّ عليه. و لا يستنبطه إلّا من رست قدمه في ممارسة هذا العلم (البيان) و صار له خليقة و ملكة[١]
إيجاز حذف:
قال ابن الأثير: أمّا الايجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه بالسحر، و ذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، و الصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، و تجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، و أتمّ ما تكون مبيّنا إذا لم تبيّن و هذه جملة تنكرها حتى تخبر، و تدفعها حتى تنظر[٢].
و من شرط حسنه، بل من لزوم حكم البلاغة فيه، أنه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غثّ، لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة و الجمال.
و قد أكثر القرآن منه و أجاد فيه بما أثار الإعجاب، و أبان سرّا من أسرار الإعجاز. القرآن لا يقف عند حدّ اجتناب الحشو و الفضول من الكلام، و انتقاء الألفاظ و الكلمات التامّة الانطباق بالمعنى المراد. بل إنه كثيرا ما يسلك في الإيجاز سبيلا أعزّ و أعجب تراه يعمد- بعد حذف فضول الكلام و زوائده- إلى حذف شيء من اصوله و أركانه التي لا يتمّ الكلام في العادة إلّا به، و لا يستقيم
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ٢٧٥- ٢٧٦.
[٢] المصدر: ص ٢٧٩.