التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢ - نماذج من فوارق اللغة
قلت: و إنّما أتى أبو العالية في هذا حيث لم يفرّق بين حرف «عن» و حرف «في» فتنبّه له الحسن فقال: أ لا ترى قوله «عن صلاتهم». يؤيّد أنّ السهو الذي هو الغلط في العدد إنّما هو يعرض في الصلاة بعد ملابستها، فلو كان هو المراد لقيل: في صلاتهم ساهون، فلمّا قال: «عن صلاتهم» دلّ على أنّ المراد به الذهاب عن الوقت، لأنه سهو عن أصل الصلاة.
و نظير هذا ما قاله القتبي[١] في قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[٢]، زعم أنه من قوله: عشوت إلى النار أعشو، إذا نظرت إليها. فغلّطوه في ذلك و قالوا: إنّما معنى قوله «من يعرض عن ذكر الرحمن» و لم يفرّق بين عشوت إلى الشيء و عشوت عنه. و هذا الباب عظيم الخطر، و كثيرا ما يعرض فيه الغلط، و قديما عنى به العربي الصريح، فلم يعرف (أي القتبي) ترتيبه و تنزيله.
روي عن البراء بن عازب أنّ أعرابيا جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: علّمني عملا يدخلني الجنة، فقال: اعتق النسمة و فكّ الرقبة، قال:
أ و ليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، و فكّ الرقبة أن تعين في ثمنها.
فتأمّل كيف رتّب الكلامين و اقتضى من كل واحد منهما أخصّ البيانين فيما وضع له من المعنى و ضمنه من المراد.
و جمع هارون الرشيد سيبويه و الكسائي، فألقى سيبويه على الكسائي مسألة، فقال: هل يجوز قول القائل: كاد الزنبور يكون العقرب فكأنه إياها أو كأنها إياه؟ فجوّزه الكسائي على معنى كأنه هي أو كأنها هو. و أباه سيبويه، فأحضر
[١] هو عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٧٠.
[٢] الزخرف: ٣٦.