التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٢ - الالتفات أو التفنن في اسلوب الخطاب أم هو كر و فر و تجوال، و مداورة بعنان الكلام بل هي فروسة العربية و شجاعة البيان
قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أ ليس إذا أخذت في تعديد نعم المولى- جلّت آلاؤه- مستحضرا لتفاصيلها أحسست من نفسك بحالة كأنها تطالبك بالإقبال على منعمك، و تزين لك ذلك، و لا تزال تتزايد ما دمت في تعديد نعمه، حتى تحملك من حيث لا تدري على أن تجدك و أنت معه في الكلام تثني عليه و تدعو له و تقول: بأيّ لسان أشكر صنائعك الروائع، و بأيّة عبارة أحصر عوارفك الذوارف[١]، و ما جرى هذا المجرى ...
و إذا وعيت ما قصصته عليك و تأمّلت الالتفات في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ- بعد تلاوتك لما قبله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ- على الوجه الذي يجب، و هو التأمّل القلبي، علمت ما موقعه، و كيف أصاب المحزّ[٢] و طبّق مفصل البلاغة، لكونه منبّها على أنّ العبد المنعم عليه بتلك النعم العظام إذا قدّر أنه ماثل بين يدي مولاه، من حقّه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته على وجه يجد معها من نفسه شبه محرّك إلى الإقبال على من يحمده، صائر في أثناء القراءة إلى حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات، مستدعية انطباقها على المنزّل على ما هو عليه، و إلّا لم يكن قارئا.
و الوجه: هو إذا افتتح التحميد أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر و نفس ذاكرة، يعقل فيم هو؟ و عند من هو؟ فإذا انتقل من التحميد إلى الصفات، أن يكون انتقاله محذوّا به حذو الافتتاح، فإنه متى افتتح على الوجه الذي عرفت، مجريا على لسانه «الحمد للّه»، أ فلا يجد محرّكا للإقبال على من يحمد، من معبود عظيم الشأن، حقيق بالثناء و الشكر، مستحقّ للعباد؟
[١] العوارف: جمع العارفة بمعنى المعروف. و الذوارف: جمع الذارفة، من الذرف بمعنى الانصباب
[٢] الحزّ: القطع. و المحزّ: موضع الذبح.