التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧٢ - الأول الإيجاز
في هؤلاء بعضهم على بعض، باعتبار أمر جامع، و هو تكذيب الرسل و جحد ما جاءوا به من المعجزات الظاهرة، فهم و إن اختلفوا و تباينوا فهم متّفقون فيما ذكرناه، و هكذا قوله تعالى: وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ[١] إنّما عطف أحدهما على الآخر باعتبار كونهما ضدّين، و الضدّ ملازم لضدّه، فهذا هو الذي سوّغ العطف فيهما، و لا تزال في تصفّحك لآي التنزيل، و استهلال أسراره تطّلع على فوائد جمّة، و نكت غزيرة.
النظر الخامس
في الإيجاز و الإطناب و المساواة، اعلم أنّ الكلام بالإضافة الى معناه كالقميص بالإضافة إلى قدّ من هو له، فربّما كان على قدر قدّه من غير زيادة و لا نقصان، و هذا هو المساواة، و تارة يكون زائدا على قدّه، و هذا هو الإطناب، و ربّما نقص عن قدّه، و هذا هو الإيجاز. فإذا الكلام لا يخلو عن هذه الأنواع الثلاثة، و نحن نذكرها:
الأول: الإيجاز
و هو في مصطلح أهل هذه الصناعة عبارة عن تأدية المقصود من الكلام بأقلّ من عبارة متعارف عليها.
ثم إنه يأتي على وجهين: (أحدهما) القصر، و هو الإتيان بلفظ قليل تحته معان جمّة، و هذا كقوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ[٢] فإنه قد دلّ على معناه بأوجز عبارة و أخصرها، و قد فاق على ما أثر عن العرب في معناه من قولهم (القتل أنفى للقتل) من أوجه:
من جهة إيجازه، فإنّ حروفه عشرة، و ما قالوه أربعة عشر حرفا.
[١] الأنعام: ١.
[٢] البقرة: ١٧٩.