التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٦ - الاستدراج
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[١].
سألوا عن الذي ينفقونه، فاجيبوا ببيان مصارف الإنفاق، تنبيها على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق، أمّا الذي يجب أن ينفق فهو خير ما تيسّر، من أيّ جنس كان. لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها. و كل ما فيه خير و صلاح فهو صالح للإنفاق. و من ثم ختمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق و أنّ اللّه عليم بذات الصدور[٢].
الاستدراج:
و سمّاه بعضهم «مجاراة الخصم» ليعثر، بأن يسلّم له بعض مقدّماته حيث يراد تبكيته و إلزامه، كمن يجاري الصيد ليستولي عليه و يقبضه.
قال ابن معصوم: هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته و إفحامه، و هو من مخادعات الأقوال و التصرّفات الحسنة التي هي من السحر الحلال، حيث يسمعه الحقّ على وجه لا يغضبه.
كقوله تعالى: لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ[٣]، لم يقل عمّا تجرمون احترازا عن التصريح بنسبة الجرم إليهم و اكتفاء بالتعريض في قوله «عمّا أجرمنا». لئلّا تأخذهم الحمية الجاهلية و الأنفة، و ليتفكّروا في حالة أنفسهم و حالة من خالفهم في العمل، إن صلاحا أو فسادا، فيدركوا بالتأمّل ما هو الحقّ منهما[٤].
و قد فصّل الكلام في ذلك ابن الأثير، و عقد له بابا استخرجه من كتاب اللّه و شرحه شرحا وافيا، قال:
[١] البقرة: ٢١٥.
[٢] راجع أنوار الربيع: ج ٢ ص ٢٠٩ و ٢١٠.
[٣] سبأ: ٢٥.
[٤] أنوار الربيع: ج ٦ ص ٦٢ و ٦٣.