التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٤ - تناسب الآيات مع بعضها
كان عليها، زاعما عكوفه عليها مدة حياته، و لكن رغم مزعومه أخذ في التراجع و الانعطاف إلى خلاف مسيره.
و هذا، لخلق الخوف و الرجاء، و طرد اليأس و الغرور.
و هذا من أعظم التربية للنفوس البشرية، فلا يأخذها القنوط و اليأس إن هي أسرفت في التمرّد و العصيان، و لا يسطو عليها العجب و الاغترار إن هي بلغت مدارج الكمال.
و منها: أنّ الإسلام دعوة إلى الحياة العليا و السعادة القصوى. كما أنّ في رفضها و التمرّد عن تعاليمها إماتة للقلوب، و بذلك تموت معالم الانسانية في النفوس و تذهب كرامتها أدراج الرياح، و اذا بهذا الانسان دابّة، فبدلا من أن يمشي على أربع، يمشى على رجلين لا أكثر من ذلك، و في ذلك هبوط من قمّة الشموخ إلى حضيض الهمجية و الابتذال.
لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ[١] وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ[٢] و وجوه اخر ذكرناها في فصل المتشابهات من الآيات[٣].
قال سيّد قطب: من ألوان التناسق الفنّي هو ذلك التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات، و التناسب في الانتقال من غرض إلى غرض.
و بعضهم يتمحّل لهذا التناسق تمحّلا لا ضرورة له، حتى ليصل إلى حدّ التكلّف ليس القرآن بحاجة إلى شيء منه[٤].
و قال الاستاذ درّاز: إنّ هذه النقطة غفل عنها جميع المستشرقين، فضلا عن
[١] الأعراف: ١٧٦.
[٢] الحشر: ١٩.
[٣] راجع التمهيد في علوم القرآن: ج ٣ ص ٢٣٩- ٢٥٢ تحت رقم ٨٠ الطبعة الثانية.
[٤] التصوير الفنّي في القرآن لسيد قطب: ص ٦٩.