التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦١ - تصوير الحالات النفسية
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ[١] إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا «الحرف» الذي يعبد اللّه عليه هذا البعض من الناس، و إنه ليكاد يتخيّل الاضطراب الحسّي في وقفتهم، و هم يتأرجحون بين الثبات و الانقلاب، و إنّ هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح ممّا يؤدّيه وصف التزعزع، لأنها تنطبع في الحسّ، و تتّصل منه بالنفس.
و ممّا هو بسبيل من ذلك في غرض آخر غير هذا الغرض، تلك الصورة التي رسمها للمسلمين قبل أن يسلموا، يوم كانوا معرضين لجهنم بما هم فيه من الكفر، فقال:
وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها[٢].
هكذا: كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، موشكين على الوقوع، تكاد أقدامكم تزلّ فتهوون. و لسنا هنا بصدد بيان دقّة التشبيه و صدقه، إنما نحن بصدد هذه الصورة القلقة المتحرّكة الموشكة في الخيال على الزوال. و لو استطاعت ريشة مصوّر بالألوان أن تبرز هذه الحركة المتخيّلة في صورة صامتة لكانت براعة تحسب في عالم التصوير و المصوّر يملك الريشة و اللوحة و الألوان و هنا ألفاظ فحسب يصوّر بها القرآن.
ثمّ ننظر إلى جمال التعبير من زاوية اخرى: إذ يرسم هذه الصورة، ثم يجعل هذه الحفرة من النار، و يجعلهم على شفا منها، فيطوي الحياة الدنيا كلها- و هي الفاصل بينهم و بين النار- و يجعلهم- و هم بعد أحياء، و هم بعد في الدنيا- واقفين
[١] الحج: ١١.
[٢] آل عمران: ١٠٣.