التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٥ - البحث الأول
البلع الذي يطلق على القوّة الجاذبة للمطعوم، لانعقاد الشبه بينهما، و هو الإذهاب إلى مقرّ خفيّ، ثم استعار الماء للغذاء على جهة الكناية، تشبيها له بالغذاء، لأنّ الأرض لمّا كانت تتقوّى بالماء في الإنبات للزرع و الأشجار و الثمار، تقوّي الآكل بالطعام، و جعل القرينة الدالّة على الاستعارة في لفظ «ابلعي» هو كونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثم إنه وجّه الخطاب لها بالأمر على جهة الاستعارة لما ذكرناه من التنبيه المتقدّم، حيث نزّلها منزلة العقلاء الذين تسربلوا سرابيل المهابة، و تلفّعوا بأردية التذلّل منقادين في حكمة القهر عليهم بؤس الاستكانة، و ضرع الاستسلام و الذلّة، و خاطب بالأمر ترشيحا للاستعارة في النداء.
ثم قال «ماءك» مضيفا الماء إلى الأرض على جهة الاستعارة، لما لها به من الاختصاص، و جعل الإضافة باللام تشبيها للأرض بالمالك، حيث كانت متصرّفة فيه بالابتلاع و الذهاب فيه و انتفاعها به.
ثم إنه قدّم الأرض على السماء لأوجه خمسة: أمّا (أوّلا) فلما للخلق من الانتفاع بالأرض بالاستقرار و كونها بساطا لهم. و أمّا (ثانيا) فلأنها لما كانت مقرّا للسفينة التي تكون بها النجاة لمن ركبها. و أمّا (ثالثا) فلأنها لما كانت مقرّا لمائها و ماء السماء، و حيث يكون اجتماعها كانت أحقّ بالتقديم. و أمّا (رابعا) فلأنّ الغرض هلاكهم في الأرض لأجل ما حصل من العصيان و المخالفة فيها.
و أمّا (خامسا) فلأنّ البداية بالغرق كانت من جهة الأرض، و لهذا قال تعالى:
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ فكان أول نبوع الماء من الأرض، فلأجل هذه الامور كانت مقدّمة في الخطاب.
ثم إنه تعالى أقبل على خطاب السماء بمثل ما خاطب به الأرض، لما كان الماء النازل منها هو السبب في الإهلاك بالغرق، فلأجل ذلك عطف خطابها على خطاب الأرض فقال «و يا سماء أقلعي» و ما ذكرناه في نداء الأرض