التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٧ - إقناع العقل و إمتاع النفس
تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ[١].
و في الآية و ما يتعقّبها نكات و ظرف دقيقة:
منها: قوله: (مصدّقا لما معهم) أو (مصدّقا لما معكم)- في آية اخرى- و هذا تنويه بأنّ المتبقّي من التوراة ليس كلّها و إنّما هو بعضها ... لكنّه لم يقل: (لما بقى من التوراة عندكم) و عبّر (بما معكم) لئلّا يتنبّه اليهود إلى ذريعة اخرى لعلّهم يتذرّعون بها، هو أنّ المنافرة إنّما كانت بين القرآن و ما ذهب من التوراة، فيجادلون الإسلام بهذه الطريقة ... و هي طريقة أخذ ما تسالم الخصم دليلا عليه ...
و لم يقل: (مصدّقا بالتوراة عندكم) لأنّه حينذاك كان اعترافا بأنّ الموجود هو تمامها لا بعضها.
فأتى بما لا يمكّنهم المخاصمة جدلا، و لا كان اعترافا بصدق ما عندهم أنّه توراة كلّه. و هذا من دقيق التعبير الذي خصّ به القرآن الكريم.
و أيضا في التعقيب بقوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ[٢]. نسبة القتل إليهم بالذات، لأنّهم رضوا بفعل آبائهم و مشوا على طريقتهم، و لو قال: فلم قتل آباؤكم ... لكان فيه حديث أخذ الجار بذنب الجار، و كان أشبه بمحاجّة الذئب: عدا على حمل صغير، بحجّة أنّ أباه قد عكّر الماء عليه في قناة كان يشرب منها[٣].
إقناع العقل و إمتاع النفس:
ميزة اخرى في احتجاجات القرآن، هو حينما يحاول إخضاع العقل ببراهينه
[١] آل عمران: ١٩ و ٢٠.
[٢] البقرة: ٩١.
[٣] النبأ العظيم: ص ١١٧.