التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٦ - تشخيص الحوادث الواقعة
هؤلاء هم الأعداء يأتون المؤمنين من كل مكان، و هذه هي الأبصار زائغة و النفوس ضائقة، و هؤلاء هم المؤمنون يزلزلون زلزالا شديدا، و هؤلاء هم المنافقون ينبعثون بالفتنة و التخذيل يقولون: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً و يقولون لأهل المدينة: ارجعوا إلى بيوتكم فهي في خطر، و هؤلاء هم جماعة من ضعّاف القلوب يقولون: إنّ بيوتنا مكشوفة، و ليست في حقيقتها كذلك إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً و هكذا لا تفلت في الموقف حركة و لا سمة إلّا و هي مسجّلة ظاهرة، كأنها شاخصة حاضرة. تلك حادثة وقعت بالفعل، و لكن صورتها ترسم «الهزيمة» مطلقة من كل ملابسة، و ما يزيد عليها أو ينقص منها إلّا جزئيات في الوقائع! أمّا الصورة النفسية فخالدة تتكرّر في كل زمان، حيثما التقى جمعان، و تعرّض أحدهما للخذلان.
و قريب من هذه الصورة صورة اخرى للهزيمة أيضا، و هي كذلك صورة باقية، لا حادثة مفردة، و ذلك حيث يقول:
وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ[١] بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ
[١] تستأصلونهم بالقتل.