التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٧ - التخلص و الاقتضاب و فصل الخطاب
قال ابن معصوم: و هو الركن الثاني من الأركان الأربعة للبلاغة الفائقة، و التي نبّه مشايخ البديع على وجوب التأنق فيها.
و هو عبارة عن أن ينتقل المتكلّم ممّا ابتدأ به من فنون الكلام إلى ذات المقصود على وجه سهل، برابطة ملائمة، وجهة جامعة مقبولة، يختلس به نحو المطلوب اختلاسا رشيقا، بحيث لا يتفطّن السامع للانتقال من المعنى الأول إلّا و قد رسخت ألفاظ المعنى الثاني في سمعه، و قرّ معناه في قلبه لشدّة الالتئام و الوئام بينهما[١].
و قال ابن أبي الأصبع: و هي في الكتاب العزيز معرفة الوصل من الفصل، و قد ذهب بعض المتكلّمين إلى أنها أحد وجوه الإعجاز. و هو دقيق يكاد يخفى في غير الشعر إلّا على الحاذق من ذوي النقد و هو مبثوث في الكتاب العزيز اذا تتبّع وجد. كابتداء آيات قد يجدها البادي في النظر غير متناسبة لما قبلها من فواصل و آيات. لكن لا يكاد يعرف التناسب بينها إلّا من كانت له دربة بهذه الصناعة، و بعد إمعان نظر و تدقيق فكر[٢].
و من عجيب الرأي ما زعمه أبو العلاء محمّد بن غانم[٣] قال: إنّ كتاب اللّه خال من التخلّص لما فيه من التكلّف[٤].
قال ابن الأثير: و هذا القول فاسد، لأنّ حقيقة التخلّص إنما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه و الكلام الذي خرج إليه. و في القرآن مواضع كثيرة، كالخروج من الوعظ
[١] أنوار الربيع: ج ٣ ص ٢٤٠.
[٢] بديع القرآن: ص ١٦٧- ١٦٨.
[٣] المعروف بالغانمي، كان من الشعراء الفضلاء، و هو من شعراء نظام الملك.
[٤] حسبما نقله عنه الزركشي في البرهان: ج ١ ص ٤٣.