التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
و حيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه، يبرز بروزا واضحا في السور القصار، و الفواصل السريعة، و مواضع التصوير و التشخيص بصفة عامة، يتوارى قليلا أو كثيرا في السور الطوال، لكنه على كل حال ملحوظ دائما في بناء النظم القرآني.
ثمّ أخذ في ضرب المثال، قال:
و ها نحن أولاء نتلو سورة النجم مثلا.
وَ النَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى. وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى. وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى[١].
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبا- على نظام غير نظام الشعر العربي- متّحدة في حرف التقفية تماما، ذات إيقاع موسيقي متّحد تبعا لهذا و ذلك، و تبعا لأمر آخر لا يظهر ظهور الوزن و القافية، لأنه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، و تناسق الكلمات في الجمل، و مردّه إلى الحسّ الداخلي و الإدراك الموسيقى، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي و إيقاع، و لو اتّحدت الفواصل و الأوزان.
و الايقاع الموسيقى هنا متوسط الزمن تبعا لتوسط الجملة الموسيقية في الطول، متّحد تبعا لتوحّد الاسلوب الموسيقى، مسترسل الرويّ كجوّ الحديث الّذي يشبه
[١] النجم: ١- ٢٢.