التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٤ - ألوان من التخييل الحسي
و الصورة التي تخيّلها الآية: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً[١] فالخيال يظلّ يتصوّر تلك الحركة الدائبة: حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات اللّه، في غير ما توقّف و لا انتهاء إلّا أن ينتهي البحر بالنفاد.
و شبيه بهذه الصور ما تخيّله للحسّ هذه الآية: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ[٢] و الآية: وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ[٣] فلفظة الزحزحة ذاتها تخيّل حركتها المعهودة. و هذه الحركة تخيّل الموقف على شفا النار، ماثلا للخيال و الأبصار.
و لون من ألوان «التخييل» يتمثّل في الحركة المتخيّلة التي تلقيها في النفس بعض التعبيرات مثل: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً[٤] فتخيّل صورة الهباء المنثور التي هي صورة حسّية لإضاعة الأعمال، و قد تقدّم ذلك. و الآن تلفتنا فيها لفظة «و قدمنا» أنها تخيّل للحسّ حركة القدوم التي سبقت نثر العمل كالهباء. و هذا التخييل يتوارى بكل تأكيد لو قيل: و جعلنا عملهم هباء منثورا. حيث كانت تنفرد حركة النثر و صورة الهباء دون الحركة التي تسبقها حركة القدوم.
و مثلها: قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا[٥] فكلمات نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا تخيّل حركة حسّية للارتداد في موضع الارتداد المعنوي، و تمنح الصورة حياة محسوسة.
[١] الكهف: ١٠٩.
[٢] آل عمران: ١٨٥.
[٣] البقرة: ٩٦.
[٤] الفرقان: ٢٣.
[٥] الأنعام: ٧١.