التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٧ - الضرب الثاني
أمّا الاكتفاء بالسبب فكقوله تعالى: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ[١]. كأنّه قال: و ما كنت شاهدا لموسى (عليه السّلام) و ما جرى له و عليه، و لكنّا أوحينا إليك. فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، و دلّ به على المسبّب الذي هو الوحي، على عادة اختصارات القرآن.
و تقدير الكلام: و لكنّا أنشأنا- منذ انقطاع الوحي بعد موسى- قرونا كثيرة، فتطاول عليهم العمر، أي أمد انقطاع الوحي، فاندرست العلوم و اختلّت المعارف بشئون الأنبياء، و من جملتها العلم بسيرة موسى (عليه السّلام)، فدعت الحاجة إلى تجديد الوحي ببعث نبيّ جديد، فأرسلناك و عرّفناك العلوم و المعارف. فالمحذوف جملة مقيّدة، و هي جملة مطوّلة، دلّ السبب فيها على المسبّب.
و كذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[٢].
فإنّ فيه تقديرا لولاه لم يستقم نظم الكلام. تقديره: و لكن عرّفناك ذلك، و أوحيناه إليك رحمة من ربّك، لتنذر قوما ... فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الناس، و دلّ بها على المسبّب الذي هو الإرسال.
و ممّا حذف فيه الجملة غير التامّة من باب حذف المسبّب لدلالة السبب،
[١] القصص: ٤٤ و ٤٥.
[٢] القصص: ٤٦.