التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٨ - الموسيقى الباطنة للقرآن
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ[١].
و البشرى، حينما تبشّر الملائكة مريم بميلاد المسيح:
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ[٢] ثمّ ذلك الصراخ في الاذن بتلك الكلمة العجيبة التي تشبه السكّين:
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ. وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[٣] و بعد، فهذا التشكيل و السبك و التلوين في الحروف و العبارات في معمار القرآن هو نسيج وحده، بلا شبيه- من قبل أو من بعد- كل ذلك يتمّ في يسر شديد، لا يبدو فيه أثر اعتمال و افتعال و اعتساف، و انما تسيل الكلمات في بساطة شديدة لتدخل القلب فتثير ذلك الإحساس الغامض بالخشوع، من قبل أن يتيقّظ العقل فيحلّل و يفكّر و يتأمّل، مجرّد قرع الكلمة للاذن و ملامستها للقلب، تثير ذلك الشيء الذي لا نجد له تفسيرا.
هذه الصفة في العبارة القرآنية إلى جانب كل الصفات الاخرى مجتمعة، هي التي تجعل من القرآن ظاهرة لا تفسير لها فيما نعرف من مصادر الكلام المألوف.[٤]
الموسيقى الباطنة للقرآن:
هناك الفرق كبير بين «الموسيقى الظاهرة» المنتشئة من تقفية اللفظ
[١] الانفطار: ٦- ٨.
[٢] آل عمران: ٤٥.
[٣] عبس: ٣٣- ٣٧.
[٤] محاولة لفهم عصري للقرآن: ص ٢٤٥- ٢٤٧.