التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٢ - علم الموسيقى
افتراقات و شرور كثيرة. و يرشدك إلى حسن المناسبة و بهائها:
أنّ حكاية الصور القبيحة و الأصوات الكريهة ممّا تميل إليها الطباع و تلتذّ بها و إن كانت تتنفّر عن المحكيّ عنها، و هذا سرّ جعل اللّه أعضاء الأطراف اثنين اثنين، كالحاجبين و العينين، و توحيد التي وقعت في البين لئلّا يكون أحد الطرفين في كمال المباينة مع الطرف الآخر المؤدّية إلى قبح الخلقة، و لهذا يبذل البنّاءون جهدهم في بناء الدار على موافقة أطرافها و يعبّرون عنها في عرفهم بالقرنية، و لو قصدنا لتبيين هذا المطلب لطال بنا الكلام، و إنما غرضنا التنبيه على أنّ حسن الصوت لا يتحقّق إلّا بتحقيق جهة الوحدة بين أجزائها، و لا تتحقّق الأجزاء إلّا بالترجيع، و قد ذكرنا شطرا من هذا الإيضاح و التبيين، و هو واضح بحمد اللّه تعالى، و يدلّ عليه حديث أبي بصير فإنه صريح في أنّ الصوت الحسن ترجيع مطرب، و سيأتي ذكره.
و أمّا الظاهريّون من المتفقّهة و المقتصرون على تعلّم الفروع وجدوا في الأخبار الحضّ على قراءة القرآن بالصوت الحسن و ذمّ قراءته بالغناء، و وجدوا أحاديثا في ذمّ الغناء و زعموا أنّ الغناء المنهيّ عنه بالمعنى اللغوي، و هو يشتمل على ترجيع الصوت. فزعموا أنّ كل صوت مترجع مطرب حرام، فلا بدّ أن يكون الصوت الحسن خاليا عن الترجيع، و تحيّروا في أمره و لم يهتدوا إليه سبيلا، و هذا ظنّ فاسد كما عرفت و ستعرف. و لذا اذا سئلوا عن شرح اسم الصوت الحسن يتبلبلون في بيانه، فتارة يقرءون آية من القرآن و يقولون هذا الصوت الحسن بعد اللتيا و التي و لم يعرفوا أنّ شرح الاسم يفيد مفهوما كلّيا و صوتهم هذا أمر شخصي و عيني و بينهما بون بعيد، و تارة يقولون ما يستحسنه الطباع من غير ترجيع و قد عرفت أنّ الصوت الخالي عن الترجيع لا يتّصف بالحسن، و تارة يدّعون البداهة في أمره و لم يعلموا أنّ البداهة و النظر ممّا يتعلّق بالمعاني و شرح الاسم ممّا يتعلّق بالألفاظ.