التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٣ - تجسيد المعاني الذهنية
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ[١] قال الجرجاني: و هكذا في سائر فنون الكلام و ضروبه و مختلف أبوابه و شعوبه[٢].
أنحاء من التصوير الفنّي في القرآن
قد اسبقنا الإشارة إلى أنحاء التصوير الفنّي الواقع في القرآن الحكيم، من تجسيد المعاني، أو تجسيم الصفات و الأحوال، أو ترسيم النماذج الانسانية في غرائزه و تصرّفاته، أو تشخيص الحوادث الجارية، أو تمثيل، أو تخييل ... و ما إلى ذلك من تصوير السمات و الشئون و الذوات.
و قد استوفى «سيد قطب» الكلام حولها، و ضرب أمثالها، و شرحها شرحا وافيا[٣] نقتطف منه ما يلي:
تجسيد المعاني الذهنية:
في القرآن كثير من تمثيلات هي تبرز المعاني الذهنية بصور مجسّدة حسّية، قصدا إلى تفظيع حال و تشنيع مآل، أو لتقريب المطلوب إلى مسرح القبول.
مثلا، يريد أن يبيّن أنّ الذين كفروا لن ينالوا الفوز لديه تعالى، و لن يدخلوا الجنة إطلاقا، و أنه من الأمر المستحيل. هذه هي المعاني الذهنية، لها تعابير كهذه، و لكن اسلوب التصوير يعرضها كالتالي:
[١] الزمر: ٢١.
[٢] أسرار البلاغة: ص ٩٢- ٩٦.
[٣] راجع التصوير الفنّي في القرآن: ص ٣٠- ٦٧.